page contents
الدفاع و الامن

تصاعُد الجدل حول «F-35»: أيّ جدوى من استمرار التصنيع؟

عباس ايوب

الفعّالية والكفاءة والمناورة، بالإضافة إلى كلفة التطوير، والكلفة التشغيلية المنخفضة، هي الركائز الأساسية التي تعتمد عليها عمليات تقييم القوات الجوّية في الجيوش. وعلى هذه الأسس نفسها، يجري تقييم الطائرة الأحدث في العالم «F-35»، والتي باتت تعاني مشكلات عديدة، تُجدّد النقاش حول جدوى الاستمرار في برامج تصنيعها وتطويرها

مع إيقاف خطّ الإنتاج الخاص بالطائرة الشبحية «F-22» متعدّدة المهمات ــــ والتي كانت تُعدّ الأقوى في العالم ــــ عام 2009، بسبب كلفتها الباهظة (334 مليون دولار للطائرة الواحدة)، قرّرت الولايات المتحدة الأميركية البدء بمشروع جديد لتطوير الطائرة الأولى في العالم من «الجيل الخامس». جاء المشروع ضمن استراتيجية نقل القوات الجوية إلى مستويات أعلى لمواجهة التطوّر الروسي والصيني، بعد دخول الدولتين إلى قائمة الدول المُصنِّعة لطائرات هذا الجيل كـ»SU-57» الروسية و»J-20» الصينية. انتهى بناء أول طائرة «F-35» في عام 2006، بعد مجهود مشترك بين دول عدّة، بكلفة تُقدَّر بحوالى 80 مليون دولار للطائرة الواحدة.
دخلت الطائرة الجديدة مرحلة التسليم للقوات الجوّية الأميركية عام 2011، في حين بدأت الدول الشريكة بتسلّم نسخاتها منذ عام 2018. وفور وضعها في الخدمة، بدأت تظهر المشكلات التقنية والفنّية، لتصل في نهاية عام 2020 إلى 873 عطلاً موثّقاً، بحسب التقرير الأخير الصادر عن مكتب الاختبار والتقييم التشغيلي (DoT&E)، الذي يُعدّ أفضل مختبر أسلحة في وزارة الدفاع الأميركية. وبالتوازي، أعلنت الشركة المصنّعة (Lockheed Martin) أنها تمكّنت من حلّ بعض المشكلات التقنية، إلّا أنها لم تخفّض بشكل جدّي أرقام الأعطال. وقسّم المكتب الأعطال إلى فئتين: «CAT 1A» التي تشكّل خطراً على سلامة الطيّار والأرواح؛ و»CAT 1B» التي تمثّل خطراً على الأداء والمهمّة. وأشار تقرير المكتب إلى أن ثمّة 10 أعطال على الأقلّ ضمن الفئة الأولى، وهي الأخطر، بينما رفض سلاح الجو هذا التصنيف، مؤكداً أنها أعطالٌ تندرج ضمن الفئة الثانية الأقلّ خطراً. وعلى الرغم من تلك التحذيرات، عمدت لجان سلاح الجو إلى إغلاق تقارير الأعطال من دون حلّها، وجاء في أبرز هذه التقارير:
ــــ عدم قدرة الطائرة على التحليق بسرعات عالية أكبر من سرعة الصوت لفترات طويلة، على عكس الطائرات الحربية الأخرى، بعد اكتشاف عيوب وتقرّحات في الطلاء الحراري في جسم الطائرة والذيلين الأفقي والعمودي. ويُعدّ الطلاء أحد أهمّ العوامل لتمتُّع الطائرة بميزة «الشبحية»، فتقليل بصمتها الحرارية يُمكّنها من إتمام مهمّاتها من دون اكتشافها من قِبَل الرادارات وأجهزة الإنذار. وهذه العيوب ظهرت في نسخة «F-35B» ذات الإقلاع العمودي والقصير، وهي النسخة التي تُمكّن مستخدميها من الإقلاع من على مدرج قصير لا يتخطّى 1 كلم، في حين تحتاج النسخة العادية «F-35A» إلى مدرج بطول 2.5 كلم، بالإضافة الى النسخة البحرية المخصّصة للهبوط على حاملات الطائرات: «F-35C».

ــــ عانى عددٌ من الطيّارين من آلام في الرأس والأذنين نتيجة «الضغط الزائد» في قمرة القيادة، وذلك عند طيرانهم لساعات طويلة. ويعتقد مكتب البرنامج المشترك لطائرة «F-35» أنه حدّد السبب الأساسي للمشكلة، والمتمثّل في أجهزة الاستشعار الموضوعة على الهيكل الخارجي للطائرة، والتي تكشف أيّ «تغيّر سريع في الضغط على الطائرة».
ــــ قيادة الطائرة في ظروف الإضاءة المنخفضة أظهرت مشكلة جديدة تعيق خطّ الأفق أمام الطيّارين، وذلك عند الطيران ليلاً في ظلّ مستويات متدنّية من ضوء النجوم. إذ تَظهر الصورة المنعكسة في كاميرا الرؤية الليلية، والحال هذه، كتصدُّعات أو خطوط أفقية متزعزعة.
ــــ المشاكل التقنية المتعلّقة بمحرّك الطائرة، وخصوصاً الطلاء الحراري على شفرات الدوَران التي تقصّر عمر المحرّك بشكل كبير. إذ تشير التقديرات إلى أن 20% على الأقلّ من المحرّكات ستتأثّر بتآكل الطلاء الحراري، ما يشكّل عائقاً كبيراً أمام إتمام عمليات الصيانة بشكل كامل، ويجعل إمكانية أن تتعرّض 5 أو 6 طائرات في كلّ سرب للتوقُّف عن العمل قائمة.
وأضاف التقرير إن «عملية التطوير الحالية من قِبَل برنامج F-35 المشترك وLockheed Martin، والتي من المفترض أن توفّر قدرات جديدة، وتحديثات من شأنها معالجة الأعطال والمشكلات التقنية، متوقفةٌ حالياً»، وهو ما «يؤدّي إلى رداءة البرامج الفنّية وقصور في العمل».
عملياً، يُمكن اعتبار أهمّ التحديات التي تواجهها اللجنة حالياً، وحتّى نهاية عام 2022، هي استبدال إحدى المنظومات التقنية التي اشتكى منها المهندسون والطيارون.
وهو «نظام المعلومات اللوجستية المستقلّ (ALIS)»، المسؤول عن تزويد مشغّلي الطائرة بالقدرة على التخطيط للمستقبل، والصيانة والتخطيط، والحفاظ على أنظمتها. والتحدي الآن، هو أن تُستبدل بالنظام السابق «الشبكة المتكاملة للبيانات التشغيلية (ODIN)»، المؤلّفة من حاسوبين بوزن أقلّ، وهو ما يوفّر كفاءة أعلى في تحديد الوظائف المهمّة ومعالجتها، كمراقبة أجهزة الاستشعار والكمبيوتر على كامل الطائرة، بالإضافة الى أداء المحرّك، وتوقُّع الفشل المسبق للأجهزة والحفاظ على سلامتها.
وفي حديث إلى الصحافيين، قال قائد سلاح الجو الأميركي، الجنرال تشارلز براون جونيور، إن «طائرة F-35 هي بمثابة سيارة فيراري، لا تقودها يومياً إلى عملك. ونحن لا نريد أن نستخدم الطائرة الفائقة التطوّر في الأعمال الدائمة العادية». وينبع ذلك الاعتقاد من أن تكلفة استخدام الـ»F-35» لـ 66 عاماً ــــ العمر التشغيلي لطائرات «F-16»، إحدى أنجح الطائرات الحربية في العالم ــــ تبلغ 1.182 تريليون دولار أميركي، فضلاً عن التكلفة غير المتوقّعة، والتي ارتفعت الى 397.8 مليار دولار، أي أقلّ من 100 مليون دولار بقليل لكلّ طائرة. وأضاف براون: «نفكّر في تطوير طائرة مقاتلة من الجيل الخامس ناقص/ Fifth generation minus، للتمكُّن من أن تحلّ مكان الأسطول الكبير للمقاتلة F-16، العاملة في القوات الجوية، والبالغة 1000 طائرة في الخدمة الفعلية».
رغم كلّ ما تَقدّم، تبقى طائرة الـ»F-35» الأكثر تطوُّراً في العالم، والتي يشكّل امتلاكها هدفاً لعدد كبير من الدول من خارج برنامج التطوير. أمّا بالنسبة إلى البرامج المنافِسة، فإن الطائرة الروسية «SU-57» دخلت، أخيراً، في خدمة سلاح الجو الروسي، وخطّ الإنتاج المخصّص للتصدير، بعد تأخّر نتيجة أعطاب ومشكلات في التمويل والتصاميم، فيما النسخة الصينية «J-20» لا تزال في مراحل التطوير الأخيرة، ما يعني تأخُّراً لعام على الأقلّ.

الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى