page contents
مرصد الاخبارمقالات مختارة

فلسطين تقض مضاجع الرجعية

بقلم غسان بوعزي/ عضو المكتب السياسي لحزب التيّار الشعبي - تونس

في كل مرة يتعرض فيها الشعب الفلسطيني لعدوان صهيوني، يقف المرء مدهوشا أمام
مشاهد العجز العربي، ويتذكر أنه منذ عقود والنظام الرسمي العربي في حالة موت، إال أنه
لم يمت بعد، بل يجثم على صدورنا ويتجرع كل أصناف الذل والمهانة، الى الحد الذي تقول
فيه لم يعد هناك بعد هذا من مذلة، ثم ت فاجأ بمستوى آخر من المهانة لم تعرفه من قبل، وفي
كل مرة فإن مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني هي وحدها القادرة على تعرية وكشف القاع
الذي وصل اليه النظام الرسمي العربي.
فكما تعجز المفردات والكلمات عن وصف معجزة الشعب الفلسطيني في التشبث بأرضه
وكرامته وصموده أمام آلة الحرب الصهيونية، تعجز الكلمات أيضا عن وصف المدى الذي
وصلته األنظمة العربية وبطانتها من الخساسة والخنوع والهوان.
إن تأثير الصمود الفلسطيني يتجاوز بكثير حدود فلسطين، فالهبّة الشعبية الفلسطينية دفاعا
عن القدس لم تعد صياغة معادالت الصراع مع الكيان الصهيوني فحسب، بل جاءت في
توقيت حساس دفنت فيه ما أصطلح على تسميته بصفقة القرن مرة والى األبد. وكما تقوم
صواريخ المقاومة برسم مالمح جديدة للمعركة وقواعد االشتباك، وت د ِخل نصف سكان
ت ربِ حركة المواصالت الجوية وتش ّل الكيان الصهيوني من المستوطنين الى المالجئ، ك
الحياة االقتصادية، فإنها أيضا تدك بشكل غير مباشر قصور أمراء ومشايخ دويالت الخليج
العربي وتفضح كذبهم على شعوبهم وخياناتهم القومية.
حكام الخليج من المطبعين الجدد الذين وج دوا أنفسهم عراة أمام األمة العربية كلها، يتمنون
اليوم مثلهم مثل أصدقائهم اإلسرائيليين أن يختفي الشعب الفلسطيني من الوجود فجأة، حتى
يتخلصوا من عبء الكبرياء الفلسطيني الذي أظهر مدى صغرهم.
تالحظ ذلك مثال من خالل وسائل اعالمهم، التي لم تقم في البداية بتغطية األحداث في
القدس وبقية األراضي الفلسطينية، ثم عندما فرضت التطورات والحوادث نفسها فرضا على
الجميع اضطرت ألن تقوم بتغطية خجولة للمعركة، وتدرك بعد قليل من خالل متابعتك أن
تحاليلهم والمصطلحات المستخدمة والضيوف الذين يقع استدعائهم للتعليق على األحداث
كلها تكاد ال تختلف كثيرا عن تغطية قناة صهيونية للتطورات.
وال يقتصر األمر على وسائل االعالم، فتجد أن شيخا وداعية اماراتيا يلوم الفلسطينيين على
ما يحدث لهم، ويدين قصفهم للناس “األبرياء” في فلسطين المحتلة، ويعتبر أن تجرؤ
الضعيف على القوي هو انتحار ليس من الدين في شيء. في المقابل، تجد ممثلة اباحية أمريكية تتضامن مع الفلسطينيين وتدين العدوان الصهيوني وتصفه بالالإنساني ثم تذهب
أبعد من ذلك وتدين حتى الدعم األمريكي المالي والعسكري إلسرائيل. وعندما تضع
الصورتين في ذهنك أمام بعضهما البعض، فإنك تضطر إلعادة صياغة مفاهيمك عن العهر
والشرف.
بالعودة الى النظام العربي المحتضر، وكما عّودنا حكامه منذ عشرات السنين، فإن ردود
فعلهم على المذابح الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني لم تتجاوز الحقل الداللي لإلدانة،
وعمليا فإن أقصى ما يفعلونه هو “اتصاالت” و”مشاورات” تهدف لوقف التصعيد. الغريب
في األمر أن اللغة المستخدمة في بعض األحيان ضمن هذه “المشاورات” تساوي بين
الضحية والجالد، فالعدوان أصبح “تصعيدا” متبادال، والجرائم والمذابح أصبحت في أفضل
األحوال “استخداما مفرطا للقوة”. طبعا فإن العدو أصبح هو اآلخر متعودا مثلنا على
االتصاالت والمشاورات العربية، ويشجعه ذلك على مزيد ارتكاب الجرائم، والشيء الوحيد
الذي تحسب له “إسرائيل” حسابا هو صواريخ المقاومة وسالحها وصمودها، فتلك هي اللغة
الوحيدة التي تفهمها.
أنظمة الريع الخليجية المطبّعة، تؤكد في كل مرة مدى ارتباطها البنيوي باالمبريالية
الغربية، والعائالت الحاكمة هناك ال تستطيع الهرب من تاريخها الذي هو في نفس الوقت
قدرها، فهي خلقت لتحرس وتؤمن منابع النفط، وتضمن تدفق عائداته وتدويرها في البنوك
الغربية واألمريكية بشكل خاص، وال أكثر من ذلك وال أقل. غير أنه في السنوات الماضية،
ونتيجة لغياب أو تغييب وتحييد المراكز التقليدية للقوة العربية، عبر كامب ديفيد 1978
واحتالل العراق وتدمير سوريا، وجدت هذه األنظمة نفسها أمام أدوار جديدة، فسارعت
تحاول ملء فراغ هو أكبر منها بكثير، فاستحوذت على الجامعة العربية، ومولت حروب
الوكالة لتدمير سوريا، وأخيرا فقد تطوعت لتكون ضمن جبهة بقيادة “إسرائيل” لمواجهة
إيران.
المقاومة، سياسة وسالحا وثقافة، هي الوحيدة القادرة على تغيير الواقع العربي، وكسر
المشاريع األمريكية والصهيونية، وهي الوحيدة المتبقية للدفاع عن كرامة هذه األمة
واستقاللها. وإن كان للقوى الوطنية في األقطار العربية أي فرصة لوضع حد ألنظمة فاسدة
وعميلة تحتضر منذ عقود وكان يمكن أن تتهاوى لوال أن الغرب من مصلحته مدها في كل
مرة باألوكسجين لتمديد عمرها، إن كان لنا أي فرصة في إحداث تغيير على طبيعة دولنا،
وإنهاء االستغالل والتبعية وتكريس السيادة الوطنية، فلنتذكر دائما أن هذه الفرصة يوفرها
لنا رجال ونساء المقاومة الفلسطينية. هكذا هي المعركة في جدليتها وهكذا علينا أن نفهمها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى